سوق الدواء
كل ما تريد معرفته عن سوق الدواء

تحالف دولي يضع خارطة طريق لتوحيد استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الدواء

في خطوة تستهدف إعادة تشكيل مستقبل البحث والتطوير الدوائي، يقود «ائتلاف الذكاء الاصطناعي» التابع لجمعية معلومات الأدوية الدولية جهوداً لتنسيق واسع بين كبرى الهيئات التنظيمية والرقابية وشركات صناعة الدواء، بهدف وضع أطر ومعايير موحدة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي على امتداد دورة حياة المستحضرات الدوائية والحيوية.

وتضم المناقشات جهات رقابية وتنظيمية كبرى، من بينها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، إلى جانب شركات دوائية عالمية مثل «جيلياد ساينسز» و«أوتسوكا»، في مسعى لبناء توافق مؤسسي يقلص الفجوة بين التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي والمتطلبات التنظيمية الصارمة التي تحكم تطوير الأدوية.

ويركز التحالف على وضع قواعد عملية لاستخدام النماذج اللغوية الكبيرة وخوارزميات التعلم الآلي في تصميم وإدارة التجارب السريرية، بما يشمل تحليل البيانات في الوقت الفعلي، وتحسين اختيار المرضى وتوزيعهم، بما قد يسهم في تقليص المدة الزمنية اللازمة للمراحل السريرية بنسب تتراوح بين 30% و40%.

كما تمتد الجهود إلى وضع بروتوكولات للتحقق من كفاءة وسلامة الجزيئات الدوائية التي تُصمم بالكامل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، قبل انتقالها إلى الاختبارات المعملية والمراحل اللاحقة من التطوير.

ويعمل المشاركون كذلك على صياغة إرشادات موحدة لتعزيز شفافية الخوارزميات المستخدمة في تطوير الأدوية، ومعالجة مخاطر ما يُعرف بـ«الصندوق الأسود»، بما يسمح للجهات التنظيمية بفهم آليات اتخاذ النماذج الذكية لقراراتها، ويضمن الحفاظ على معايير سلامة المرضى دون إبطاء وتيرة الابتكار.

ويعكس انخراط الهيئات التنظيمية إلى جانب شركات الدواء تحولاً في فلسفة الرقابة على التقنيات الجديدة، إذ لم تعد الجهات الرقابية تكتفي بتقييم الملفات الدوائية بعد اكتمالها، وإنما تشارك بصورة مبكرة في صياغة القواعد التي ستحدد كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في مراحل الاكتشاف والتطوير والتجارب السريرية.

وترى الشركات المشاركة أن غياب معايير تنظيمية موحدة عالمياً يمثل أحد أبرز العوائق أمام التوسع في استثمارات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع المخاوف من رفض ملفات التجارب السريرية التي تعتمد على أدوات ونماذج حسابية حديثة لا تزال أطر تقييمها تختلف من سوق إلى أخرى.

اقتصادياً، يستهدف هذا التوجه خفض تكلفة تطوير الأدوية الجديدة، التي تتجاوز في المتوسط 2.6 مليار دولار، عبر تقليص الهدر الناتج عن فشل التجارب السريرية، ولا سيما في المراحل المتأخرة، من خلال الاستفادة من قدرة النماذج الذكية على تحليل كميات ضخمة من البيانات وتحسين التنبؤ بفاعلية الأدوية ومخاطرها قبل استثمار موارد كبيرة في تطويرها.

كما يسعى التحالف إلى توحيد لغة الحوار التنظيمي بين الأسواق الدوائية الكبرى، بما قد يفتح المجال أمام مسارات تسجيل أكثر تنسيقاً ومرونة للمستحضرات الدوائية والحيوية، ويقلل من تكرار المتطلبات والإجراءات التنظيمية بين الدول.

وفي المقابل، تظل إدارة البيانات الصحية الحساسة وحماية خصوصية المرضى وحقوق الملكية الفكرية من أبرز الملفات التي تتطلب ضوابط صارمة، خصوصاً مع توسع الاعتماد على البيانات الضخمة والنماذج التوليدية في اكتشاف الأدوية وتصميم التجارب السريرية.

ويشير هذا الحراك إلى انتقال صناعة الدواء من مرحلة التجارب الفردية لاستخدام الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة أكثر مؤسسية، تتجه فيها الشركات والجهات التنظيمية إلى بناء قواعد مشتركة تحكم استخدام التكنولوجيا، بما يمهد لدمج الذكاء الاصطناعي بصورة أوسع في دورة تطوير الدواء، من اكتشاف الجزيء وحتى وصول العلاج إلى المرضى.

اترك تعليق