رئيس هيئة الشراء الموحَّد لـ«سوق الدواء»: الرِّيادة الدوائية قرار دولة وقيادة.. ونبنى قلاعاً تخزينية ذكية لترسيخ أمن مصر الصحى ومجابهة أى تحديات
حاوره: عبدالحليم الجندي – أحمد أبوشرابية
الدكتور هشام ستيت، رئيس الهيئة المصرية للشراء الموحَّد في حوار صحفي خاص لـ«سوق الدواء»:
ضمان استدامة التوريد والرقمنة وتوطين وتعميق الصناعات الطبية وتشجيع نفاذها خارجياً… أبرز محاورنا الاستراتيجية
نضع خططاً مرنة لإدارة سلاسل الإمداد وتنويع مصادر التوريد لتقليل تأثيرات التوترات الجيوسياسية
نعزز مخزوننا الاستراتيجى بشكل مستمر.. ولا ننتظر حدوث الأزمات للمواجهة.. والمخزون يغطى احتياجاتنا 9 شهور
قريباً.. نتسلم أول جهاز رنين مغناطيسى MRI مصنَّع بالكامل فى مصر فى خطوة تُعد إنجازاً إقليمياً
افتتاح مخزن العاصمة الجديدة إبريل المقبل بطاقة 90 ألف بالتة.. وتجهيزات رقمية متكاملة للمخازن الاستراتيجية
تحالف اللقاحات المصرى وقَّع 9 مذكرات تفاهم مع مصنِّعين عالميين تغطى 18 منتجاً من اللقاحات الحيوية
التصدير مسار استراتيجى يعزِّز الصناعة الوطنية ويدعم موارد النقد الأجنبى ويكرس الدور الإقليمى لمصر فى القطاع الصحى
مصر مرشحة لتصبح المركز الرئيس لمبادرة الشراء الموحَّد الإفريقى بفضل بنيتها التحتية واللوجستية والتكنولوجية والتشريعية المتطورة
ملتزمون بسداد مستحقات الموردين خلال العام المالى الجارى دون أى تأخر فى ظل موازنة تقترب من 90 مليار جنيه
نعتزم توقيع مذكرة تفاهم مع مجموعة «على بابا» لإتاحة بيع المنتجات المصرية على المنصة وإنشاء مركز إقليمى داخل مخازن الهيئة
بدء التطبيق الجزئى لنظام «ساب» لميكنة مسارات العمل داخل الهيئة وتحقيق التكامل مع المنظومات الرقمية للجهات الصحية
الإنتاج المحلى من الأدوية يغطى 91%.. ولن نشترى منتجاً مستورداً ما دام البديل المصرى متوافراً بمواصفات ومعايير معتمدة
إطلاق نسخة استثنائية من المؤتمر الطبى الإفريقى فى 2026 تركز على الاقتصاد الصحى والجراحة الروبوتية والذكاء الاصطناعى
70 % من احتياجات إفريقيا من اللقاحات ستصنَّع محلياً بحلول 2040
105 مليارات جنيه موازنة الهيئة خلال العام المالى المقبل
165 مليون دولار استثمارات المخازن الاستراتيجية
24 مليون دولار حجم صادراتنا الدوائية لدولة زامبيا
50 مليار جنيه تم سدادها للموردين خلال العام المالى الجارى
60 عدد فروع صيدليات «إسعاف 24» المستهدف على المدى القصير
50 % من المستلزمات الطبية التى يتم توريدها للهيئة تصنَّع محلياً
75 مليون جرعة حجم استهلاك السوق المصرية من اللقاحات سنوياً
3 مليارات جنيه حد أدنى دائم لمخزون الهيئة الاستراتيجى
فى وقتٍ يُعيد فيه العالم تشكيل سلاسل إمداده تحت وطأة التوترات الجيوسياسية، تَبْرُز «القاهرة» لاعباً صناعياً صاعداً فى معادلة الأمن الصحى؛ حيث لم تعد الدولة تنظر إلى الصناعات الطبية باعتبارها سلعة استراتيجية فحسب، بل بوصفها أداة سيادية لبسط النفوذ التكنولوجى والاقتصادى إقليمياً، وركيزة أمن قومى يتصدَّر فيه المريض المصرى المشهد باعتباره حجر الزاوية، فى مشهد يعيد تعريف مفهوم الريادة الدوائية بدعم القيادة السياسية وعبر مسارات تنفيذية واضحة؛ من رقمنة كاملة لسلاسل الإمداد لضمان الشفافية والانضباط، إلى بناء قلاع تخزينية استراتيجية مؤتمتة، تتحول معها مصر من مستهلك ضخم إلى مركز لوجستى إقليمى يربط الشرق بالغرب، ويطمح لاقتناص حصة مؤثرة من سوق الصحة على مستوى منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.
هذا التحوُّل الهيكلى لا يتوقف عند تطوير منظومة التخزين والتوزيع، بل يمتد ليؤسس حصانة مالية وصناعية شاملة، تُعيد تشكيل البيئة الاستثمارية وتجعلها أكثر جذباً للشركات الدولية الكبرى، وتدفع مسار توطين اللقاحات والأدوية البيولوجية المعقدة والأجهزة الطبية، عبر تحالفات عالمية راسخة.. إنها رسالة واضحة بأن المنتج الدوائى «المصنوع فى مصر» لم يعد خياراً تكميلياً، بل أصبح ركيزة استراتيجية وعقيدة عمل للدولة.
وفى قلب هذه المعادلة الدقيقة تقف الهيئة المصرية للشراء الموحَّد، لا باعتبارها جهاز مشتريات حكومياً تقليدياً، بل بوصفها عقلاً مدبِّراً لمنظومة أمن دوائى تتحرك بعقل استثمارى وانضباط سيادى، تمزج بين صرامة الرقابة ومرونة السوق، وتدير شبكة إلكترونية موحَّدة تربط المصنع بالمورد بالمستشفى؛ لضمان ألا يسبق الاحتياج التوريد أبداً، ومن داخل هذه المنظومة يقود الدكتور هشام ستيت دفَّة التغيير، لا بوصفه رئيس هيئة فحسب، بل مهندس مرحلة تعيد صياغة مفهوم «مخزون الأمان» من كونه احتياطياً دفاعياً إلى كونه أداة قوَّة واستقرار وتوسُّع إقليمى.
ولفَكِّ شفرات هذه الاستراتيجية الطَّموح كان لنا هذا الحوار الاستثنائى مع الرجل الذى يدير واحداً من أكثر الملفات حساسيةً وتأثيراً فى الاقتصاد المصرى؛ ليحدثنا عن كواليس تأمين المخزون القومى من الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية واللقاحات، وخطة التوسُّع فى إفريقيا، وتسوية المديونيات، والتحوُّل الرقمى، فى حوار يضع النقاط فوق حروف المستقبل الصحى لمصر.

ما أبرز ملامح استراتيجية هيئة الشراء الموحَّد الفترة المقبلة، وما الملفات ذات الأولوية القصوى على أجندتكم هذا العام؟
الهدف الجوهرى الذى نسعى إليه هو ضمان استدامة التوريد لتقديم أفضل الخدمات العلاجية للمواطن المصرى فى أنحاء الجمهورية كافة، وبأعلى معايير الجودة العالمية، ولتحقيق ذلك نرتكز فى استراتيجيتنا على محاور تنفيذية صارمة، تبدأ بإطالة أمد التعاقدات مع الموردين لتفادى أى انقطاعات فجائية، مع الالتزام بالتعاقد مع أكثر من مورد لكل صنف استراتيجى لضمان وفرة البدائل، كما نعمل على تنويع مصادر التوريد جغرافياً بين الشرق والغرب لتحصين السوق المحلية ضد أى أزمات إقليمية أو دولية.
وبالتوازى مع ذلك، ننظر إلى توطين التصنيع بوصفه ملفاً سيادياً، يشمل الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية، وصولاً إلى المواد الخام واللقاحات؛ لتقليل الفاتورة الاستيرادية، إضافة إلى تشجيع نفاذ المنتجات الطبية المصرية إلى البلدان الإفريقية، بما يضمن تحقيق الأمن الدوائى للمواطن المصرى والإفريقى على حد سواء، خاصة أن الفرص فى قطاع الصحة الإفريقى خلال السنوات الخمس المقبلة تمثل واحدة من أكبر الفرص الاقتصادية لمصر على المستويين الصناعى واللوجستى.
فى ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة والمخاوف العالمية من تأثر سلاسل الإمداد، ما الآليات المتبعة لتأمين احتياجات الدولة من الأدوية والأجهزة الطبية المستوردة؟
التخطيط الاستباقى وبناء مخزون استراتيجى قوى من الاحتياجات الطبية المستوردة يُعدان الركيزة الأساسية التى تعتمد عليها الهيئة فى مواجهة الأزمات، سواء المتوقعة أو الطارئة؛ فنحن لا ننتظر وقوع الأزمة، بل نعمل على استشراف المخاطر المحتملة ووضع سيناريوهات بديلة لضمان استمرارية التوريد دون انقطاع.
كما نحرص على تنويع مصادر الاستيراد، وعدم الاعتماد على دولة واحدة أو مورد واحد، بما يقلل من تأثير التوترات الجيوسياسية، ونضع خططاً مرنة لإدارة سلاسل الإمداد العالمية، خاصة فى ظل ما قد تسببه الأزمات الاقتصادية أو الاضطرابات السياسية من ارتفاع فى تكاليف الشحن والتأمين أو تأخر فى التوريد، وهدفنا الدائم هو تأمين احتياجات القطاع الصحى بكفاءة، والحفاظ على استقرار السوق وضمان توافر الأدوية والمستلزمات الحيوية للمواطنين فى جميع الأوقات.

ما المخزون الاستراتيجى من الأدوية والمستلزمات الطبية لدى الهيئة خلال الفترة الحالية؟
نمتلك مخزوناً استراتيجياً يغطى من 3 إلى 6 أشهر لمعظم الأصناف، وبعض الأصناف تغطى 9 شهور، ويشمل ذلك الأدوية والمستلزمات الطبية والأجهزة. نحن لا ننتظر حدوث أى أزمة لنبدأ فى بناء مخزون استراتيجى، بل نعمل على تعزيز المخزون بشكل مستمر لضمان استدامة التوريد.
هناك حدٌّ أدنى دائم للمخزون الاستراتيجى لا يقل عن 3 مليارات جنيه، ما يوفر قدرة مالية وتنظيمية على مواجهة أى اضطرابات محتملة فى سلاسل الإمداد العالمية. هذه الاستراتيجية تهدف إلى ضمان عدم انقطاع أى منتج حيوى، وضمان استقرار السوق والقدرة على تلبية احتياجات المواطنين فى جميع الأوقات.
يُعد توطين الصناعة من الملفات التى توليها الدولة المصرية اهتماماً كبيراً.. حدِّثنا عن هذا الملف فى القطاع الطبى، والدور الذى تلعبه هيئة الشراء؟
سوق الدواء المصرية من الأسواق الأكثر توطيناً للأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية؛ حيث يمثل الإنتاج المحلى من الأدوية نحو 91% من إجمالى عدد العبوات الدوائية التى تُصنع محلياً. نحن لا نعمل فقط على زيادة تلك النسبة من خلال توطين الأدوية الحيوية، بل نسعى إلى تعميق الصناعة من خلال توطين أدوية الأورام والأدوية البيولوجية واللقاحات والمواد الخام الدوائية؛ فنحن لا نبحث فقط عن تجميع المنتج فى مصر، بل عن نقل التكنولوجيا الفعلية، وهدفنا أن تكون مصر قادرة على الاعتماد الذاتى تدريجياً، دون الحاجة إلى الاستيراد إلا فى الحالات الطارئة.
ولدينا فى هيئة الشراء الموحَّد قاعدة رئيسة؛ هى أن الهيئة لن تشترى منتجاً مستورداً داخل القطاع الحكومى ما دام المنتج المصنَّع محلياً متوافراً، ويغطى احتياجات الهيئة، وذلك دعماً للمنتج المحلى وخطط التوطين والتعميق، كما نشترط فى المراحل الأولى لتوطين التصنيع أن تكون القيمة المضافة المحلية لا تقل عن 25%، حتى فى مرحلة التجميع الأولية.

من يمتلك بوصلة التوطين فى مصر؟ وهل تترك الهيئة للمستثمر حرية اختيار ما ينتجه أو أنكم من يفرض أولويات الدولة الصحية؟
الأمر تكاملى ومنظَّم بدقة؛ فالهيئة بصفتها أكبر مشترٍ حكومى تمتلك خريطة كاملة للفجوات والاحتياجات الفعلية، وهى الرؤية التى نشاركها باستمرار مع هيئة الدواء والغرف الصناعية والمستثمرين، ولدينا بالفعل قائمة بالأصناف المستهدفة للتوطين، سواء فى الدواء أو الأجهزة المعقَّدة، ونطرحها بوضوح فى جميع المحافل والفعاليات.
دائماً ما يسعى المستثمر إلى التأكد من «الأمان التسويقى»؛ لضمان وجود مشترٍ للمنتج الذى سيقوم بتوطينه؛ حيث تضمن له الهيئة أولوية توريد داخل القطاع الحكومى وفقاً لعقود واضحة، فضلاً عن المساعدة فى التنسيق مع الجهات المعنية بالتراخيص والتسهيلات.. رسالتنا للمستثمر الجاد واضحة ومشجِّعة: «إذا أنتجتَ محلياً بجودة مطابقة للمواصفات فلديك سوق مضمونة».
بعيداً عن توطين صناعة الدواء، كيف تتحرك الدولة فى ملف توطين المستلزمات والأجهزة الطبية؟ وأين تقف مصر اليوم من هذا التحول صناعياً وتكنولوجياً؟
يشهد ملف توطين المستلزمات والأجهزة الطبية تحولاً نوعياً غير مسبوق فى السوق المصرية؛ إذ أصبح أحد المحاور الاستراتيجية للدولة لتعزيز الأمن الصحى وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وخلال الفترة الحالية يتم العمل على إنشاء وتشغيل عشرات المصانع الجديدة، بالتعاون مع شركات عالمية لتوطين تصنيع أجهزة طبية حيوية، إلى جانب عدد كبير من المشروعات قيد الدراسة.
ومن أبرز النماذج على هذا التحوُّل: إعادة تطوير وتشغيل مصنع فلاتر غسيل الكلى بعد توقف دام أكثر من 10 سنوات، بما يمهد لتحقيق الاكتفاء الذاتى من هذه الفئة الحيوية، مع فتح آفاق للتصدير إلى الأسواق الإقليمية.
وحالياً، يتم تصنيع نحو 50% من المستلزمات الطبية التى تتعاقد عليها الهيئة محلياً، فيما تظل بعض الأصناف مرتفعة التكلفة – مثل صمامات القلب والدعامات – معتمدة على الاستيراد؛ نظراً لاحتياجها إلى مواد خام متقدمة وتكنولوجيا عالية الدقة، غير أن هذا الواقع بدأ يتغير تدريجياً، مع دخول شركات عالمية فى شراكات لتصنيع أجهزة الرنين المغناطيسى (MRI)، والأشعة المقطعية (CT)، وأجهزة الأشعة التشخيصية والموجات فوق الصوتية، وأجهزة مراقبة القلب داخل مصر.
ومن المنتظر قريباً تسلُّم أول جهاز رنين مغناطيسى مُصنَّع بالكامل فى مصر، فى خطوة تُعد إنجازاً إقليمياً يعكس انتقال الصناعة من التجميع إلى التصنيع الكامل؛ فالأولوية لا تقتصر على إنتاج الأجهزة فى حد ذاته، بل تمتد إلى نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا وبناء قدرات بشرية قادرة على التطوير المستدام؛ فاستقطاب الشركات العالمية للاستثمار فى هذا القطاع يمنح مصر القدرة على تأمين احتياجاتها محلياً، ويعزِّز موقعها مركزاً إقليمياً للصناعة والتصدير.

فى ضوء دروس جائحة «كورونا»، كيف تتشكل رؤية الدولة لمستقبل توطين صناعة اللقاحات فى مصر خلال السنوات المقبلة؟
أثبتت جائحة «كورونا» أن امتلاك القدرة الوطنية على إنتاج اللقاحات لم يعد خياراً تنموياً، بل ضرورة سيادية ترتبط بالأمن القومى الصحى؛ فمصر تحتاج سنوياً ما بين 70 و75 مليون جرعة لقاح لتلبية احتياجاتها، وهو رقم كبير يعكس حجم السوق المحلية وأهمية التحرك الجاد نحو توطين هذه الصناعة الاستراتيجية.
وانطلاقاً من هذه الرؤية تأسَّس التحالف المصرى لمصنِّعى اللقاحات ليكون الذراع التنفيذية للاستراتيجية الوطنية لتوطين إنتاج اللقاحات، ويعمل التحالف وفق خطة مرحلية واضحة، تستهدف فى الأجل القصير توطين 50% من إنتاج اللقاحات محلياً، مع الحصول على تأهيل منظمة الصحة العالمية المسبق (WHO Prequalification – PQ) لـ10 لقاحات خلال الفترة من 2025 إلى 2030، بما يفتح الباب أمام التصدير للأسواق الإقليمية والدولية.
وتتصاعد المستهدفات تدريجياً؛ إذ من المخطط رفع نسبة التوطين إلى 75% بحلول عام 2035، وصولاً إلى تحقيق الاكتفاء الذاتى الوطنى بنسبة 100% فى عام 2040، وهو ما يضع مصر على خريطة الدول المنتجة والمصدِّرة للقاحات فى إفريقيا والشرق الأوسط.
وعلى مستوى التنفيذ، نجح التحالف فى توقيع 9 مذكرات تفاهم مع مصنعين عالميين تغطى 18 منتجاً من اللقاحات، تشمل منصات تكنولوجية متقدمة مثل لقاحات الحمض النووى الريبى المرسال (mRNA)، والناقلات الفيروسية، واللقاحات المعطلة، كما تم توقيع ثلاث اتفاقيات شراكة بين الشركات الأعضاء لتنسيق أدوار التصنيع وتحقيق تكامل فعَّال فى سلاسل الإمداد.
وحالياً تمتلك مصر 6 مصانع للقاحات، يعمل بعضها بالفعل، فيما لا يزال البعض الآخر قيد الإنشاء أو التحديث، ويخضع أحد المصانع المصرية لبرنامج تأهيل من منظمة الصحة العالمية لاعتماد تكنولوجيا تصنيع متقدمة؛ تمهيداً لاعتماده مصنعاً إقليمياً مؤهلاً للتصدير، ومع اكتمال هذه المنظومة يُتوقَّع أن تصل الطاقة الإنتاجية السنوية إلى نحو 400 مليون جرعة، بما يتجاوز احتياجات السوق المحلية، ويفتح المجال أمام تصدير اللقاحات إلى الأسواق الإفريقية؛ دعماً لمكانة مصر بوصفها مركزاً إقليمياً لصناعة اللقاحات ونقل التكنولوجيا الحيوية.

ما طبيعة التعاون القائم مع المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، وكيف ينعكس ذلك على موقع مصر فى القارة؟
هناك تنسيق مستمر مع المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها لتعزيز التكامل بين دول القارة، التى يتوقع أن يبلغ عدد سكانها 2.5 مليار نسمة بحلول 2050، بما يجعلها سوقاً واعدة للصناعات الطبية، وقد أطلقت المراكز مبادرة تستهدف تصنيع 70% من احتياجات إفريقيا من اللقاحات محلياً بحلول 2040، إلى جانب رفع نسبة المشتريات من المنتجات الطبية الإفريقية إلى 60%.
كما يجرى العمل على مبادرة للشراء الموحَّد على مستوى القارة، ومصر مرشحة لتكون مركزها الرئيس؛ استناداً إلى بنيتها التحتية واللوجستية والتكنولوجية والتشريعية المتطورة، وخبراتها التصنيعية فى الصناعات الطبية. وتمنح هذه المقومات مصر أفضلية استراتيجية تؤهلها لتكون منصة إقليمية لصناعة وتصدير الدواء واللقاحات داخل إفريقيا.
أعلنتم تسوية شاملة لمديونيات شركات الأدوية والمستلزمات الطبية، ما ملامح هذه التسوية، وحجم ما تم سداده حتى الآن، والمتوقع خلال الفترة المقبلة؟
تم إقرار تسوية شاملة لكل المديونيات المتأخرة بالتعاون مع وزارة المالية المصرية؛ نتيجة تداعيات تغيُّرات أسعار الصرف وزيادات أسعار الأدوية والمستلزمات المستوردة، إلى جانب تحريك الأسعار محلياً لضمان استدامة الصناعة، ما أحدث فجوة تمويلية وتراكماً فى المستحقات.
وما تم التوصل إليه من تسويات وخطط للسداد يمثل رسالة طمأنة للشركات والمستثمرين بأن الدولة ملتزمة بخلق بيئة عمل مستقرة ومستدامة؛ إذ تم سداد مديونيات ما قبل يونيو 2025 بقيمة 15 مليار جنيه، فيما بلغ إجمالى ما سُدد للموردين خلال العام المالى الجارى نحو 50 مليار جنيه، جزء منها من المديونية والجزء الأكبر من مستحقات العام المالى الجارى.
وهنا يجب التأكيد أن العام المالى 2025/ 2026 لن يشهد أى تأخُّر فى السداد، فى ظل موازنة تقترب من 90 مليار جنيه لتغطية الاحتياجات بالكامل، مع توقع ارتفاعها إلى نحو 105 مليارات جنيه فى العام التالى، بما يضمن استدامة التوريد ودعم خطط تطوير المنظومة الصحية.

أطلقتم البوابة الرقمية لهيئة الشراء الموحَّد.. ما القيمة المضافة للمنصة، وكيف ستنعكس على كفاءة المنظومة الصحية؟
إطلاق البوابة الرقمية للهيئة المصرية للشراء الموحَّد يأتى فى إطار استراتيجية التحول الرقمى وتعزيز التكامل بين سلاسل إمداد الجهات الصحية، بما يسمح بإدارة المشتريات والإمدادات بصورة أكثر كفاءة وفاعلية، وتمثل المنصة نظاماً إلكترونياً موحَّداً ومرئياً يربط جميع الأطراف المعنية؛ من الهيئات الصحية والموردين إلى الهيئة ووزارتى الصحة والمالية، بما يعزز الشفافية، ويبسِّط الإجراءات، ويُسرِّع تنفيذ الطلبات والتوريدات.
كما تتيح المنصة رقابة شاملة على دورة العمل، بدءاً من تحديد الاحتياجات والكميات ومراجعة جودة المنتجات، وصولاً إلى السداد، بما يضمن إحكام الحوكمة ومنع أى فجوات إجرائية.
وبالتوازى، بدأ التطبيق الجزئى لنظام «ساب» لميكنة مسارات العمل داخل الهيئة وشركاتها التابعة، وتحقيق التكامل مع المنظومات الرقمية للجهات الصحية، ويجرى كذلك العمل على إنشاء منصة رقمية تجمع المصنِّعين الرئيسيين والصناعات المغذية والموردين المحليين لتعزيز التكامل الصناعى.
ومن المقرر إطلاق منصة لبرنامج «Horizon Scanning» لرصد الأدوية المبتكرة وعلاجات الأورام والأمراض المناعية والوراثية؛ بهدف ترتيب الأولويات وفق الاحتياجات الفعلية للمرضى، وإخضاع هذه العلاجات لتقييم علمى واقتصادى دقيق قبل إدراجها ضمن منظومة الشراء الحكومى.

تعكفون على إنشاء 6 مخازن استراتيجية للأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية.. ماذا تم فى هذا المشروع حتى الآن؟
قطعنا شوطاً كبيراً فى تنفيذ مشروع المخازن الاستراتيجية، والبالغ حجم استثماراته نحو 165 مليون دولار، ومن المقرر افتتاح المخزن الأول بالعاصمة الإدارية الجديدة وبدء التشغيل خلال شهر إبريل المقبل، بقدرات تخزينية تبلغ نحو 90 ألف بالتة، ويمكن زيادة تلك القدرات التخزينية إلى 190 ألف بالتة مستقبلاً؛ نظراً لوجود أرض تابعة للمخزن يمكن البناء عليها لاحقاً، إضافة إلى خمسة مخازن قيد التجهيز.
وقد تم الانتهاء من البناء الرئيسى للمخازن، والمرحلة النهائية تتعلق بالتجهيزات الإلكترونية، بحيث تصبح المخازن شبه مؤتمتة بالكامل.
وتتوزع المخازن الاستراتيجية جغرافياً فى 6 محافظات، هى: القاهرة، والإسكندرية، والدقهلية، وقنا، والمنيا، والإسماعيلية، وقد تم اختيار أماكن المخازن بعناية لتكون مؤمَّنة بالكامل وقريبة من المطارات لتيسير عملية دخول وخروج الأصناف الدوائية والأجهزة الطبية، ومن المتوقع تخصيص أجزاء فى تلك المخازن لتكون مناطق حرة، وتأجير المساحات التخزينية الفائضة للشركات الدولية مخزناً إقليمياً لها فى المنطقة.
تدرس هيئة الشراء الموحَّد ومجموعة «على بابا» إنشاء مركز إقليمى لدعم التجارة الإلكترونية فى إفريقيا.. ما الذى تم فى هذا الملف حتى الآن؟
من المقرر توقيع مذكرة تفاهم قريباً مع مجموعة «على بابا»، تتضمن إتاحة بيع المنتجات المصرية على منصة المجموعة، وإنشاء مركز إقليمى داخل المخازن الاستراتيجية التابعة للهيئة، ليكون مركزاً لوجستياً متطوراً يخدم القارة الإفريقية بأكملها، ويعزز مكانة مصر باعتبارها مركزاً إقليمياً للتجارة والصناعة.

تُولون تصدير الدواء المصرى إلى البلدان الإفريقية اهتماماً كبيراً.. ما المستهدفات التصديرية للهيئة خلال عام 2026؟
يُعد دعم نفاذ المنتجات الطبية المصرية إلى الأسواق الإفريقية أحد المحاور الرئيسة فى استراتيجية الهيئة المصرية للشراء الموحَّد، باعتبار التصدير مساراً استراتيجياً يعزز الصناعة الوطنية، ويدعم موارد النقد الأجنبى، ويكرس الدور الإقليمى لمصر فى القطاع الصحى.
وتشكل تجربة التصدير إلى زامبيا نموذجاً ناجحاً؛ حيث تم تصدير خمس دفعات من المستلزمات الطبية، فيما يجرى شحن الدفعة السادسة، بإجمالى صادرات بلغ نحو 24 مليون دولار، كما أبدت زامبيا رغبتها فى تجديد التعاقد وتوسيع التعاون ليشمل الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية، مدفوعة بجودة المنتج المصرى وكفاءته التنافسية، والالتزام بمواعيد التوريد، وكفاءة سلاسل الإمداد والرقابة الدوائية.
وتجرى حالياً مفاوضات مع عدد من الدول لتكرار التجربة، من بينها ناميبيا وغانا وزيمبابوى، مستفيدة من الاتفاقات التنظيمية الثنائية التى تعقدها هيئة الدواء المصرية مع نظيراتها الإفريقية لتيسير تسجيل الدواء المصرى.
وفى موازاة ذلك، يجرى تشجيع مستثمرين محليين على الدخول فى شراكات مع شركات إفريقية، تبدأ بعمليات التعبئة، ثم تتطور إلى تعميق التصنيع ونقل التكنولوجيا، بما يعزز القيمة المضافة ويدعم انتشار الدواء المصرى فى القارة.

ماذا عن المعرض والمؤتمر الطبى الإفريقى لعام 2026؟
أنشأنا تحالفاً استراتيجياً جديداً بين الهيئة وGCM وInforma لإطلاق النسخة الرابعة من المعرض والمؤتمر الطبى الإفريقى، وهى خطوة مهمة ستضيف بُعداً دولياً أكبر، وتوسِّع قاعدة الدول المشاركة، وتجذب شركات عالمية كبرى.
نتوقع نسخة أكبر من العام الماضى، مع توسُّع فى الفعاليات العلمية والجلسات المتخصصة فى الجراحة الروبوتية، والذكاء الاصطناعى، والاقتصاد الصحى، ومشاركة القطاعات المصرفية والاتصالات لدعم التحول الرقمى والتمويل الصحى.
ويُعد المعرض والمؤتمر الطبى الإفريقى منصة استراتيجية مهمة لتبادل الخبرات الدولية فى مجال توطين الصناعات الطبية والاقتصاد الطبى، فى إطار الالتزام بأجندة الاتحاد الإفريقى لعام 2063، وخاصة ما يتعلَّق بتحقيق هدف «نحو إفريقيا مزدهرة»، الذى يستهدف تحقيق التنمية المستدامة من خلال تعزيز توطين الصناعات الطبية، وخصوصاً الأدوية، ومواجهة التحديات التى تواجه القارة فى هذا المجال.

حدِّثنا عن خططكم التوسُّعية فى صيدليات «إسعاف 24» بمختلف المحافظات خلال السنوات المقبلة، والعدد الذى تستهدفون الوصول إليه؟
تمتلك صيدليات «إسعاف 24» حالياً نحو 31 فرعاً، مع خطة للتوسُّع التدريجى للوصول إلى 60 فرعاً على المدى القصير، بمعدل نمو سنوى يتراوح بين 10% و20%، كما تستهدف الخطة التوسُّع الجغرافى بحيث تضم كل محافظة من 4 إلى 5 فروع على الأقل، وفقاً للكثافة السكانية واحتياجات كل نطاق.
ويستهدف هذا التوسُّع تقليل حاجة المواطنين إلى الانتقال بين المحافظات للحصول على الأدوية الأساسية، والأدوية الخاضعة للرقابة، وعلاجات الأورام؛ حيث تعمل الصيدليات على مدار 24 ساعة يومياً لتوفير هذه الأصناف الحيوية بشكل منتظم.
ويُعدُّ دور «إسعاف 24» تكاملياً لدعم المنظومة الصحية، وليس تنافسياً؛ إذ تركز على ضمان إتاحة الأدوية الحرجة وتعزيز منظومة الرقابة الدوائية، بما يسهم فى تحقيق الانضباط والاستدامة فى سوق الدواء.

