سوق الدواء
كل ما تريد معرفته عن سوق الدواء

صفقات بـ 19 مليار دولار.. الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل صناعة الدواء واكتشاف العلاجات

تتجه شركات الأدوية العالمية إلى توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات البحث والتطوير، في رهان متزايد على قدرة تقنيات النمذجة المتقدمة والمختبرات المؤتمتة على تقليص الوقت والتكلفة اللازمين لاكتشاف الأدوية وتطويرها، وسط توقعات بإمكانية خفض تكاليف ومدد مراحل التطوير المبكرة بنحو 50% خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة.

وتكشف مراجعة لأبرز الصفقات والشراكات التي أعلنتها شركات الأدوية والتكنولوجيا الحيوية في مجال الذكاء الاصطناعي منذ بداية 2025 وحتى أغسطس 2026 عن قيمة معلنة ومحتملة تتجاوز 19 مليار دولار، دون احتساب الاتفاقيات التي لم تكشف أطرافها عن قيمتها، أو الصفقات التي لا ترتبط مباشرة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في اكتشاف وتطوير الأدوية. ويشمل الإجمالي مبالغ مقدمة ومدفوعات مرتبطة بمراحل التطوير والنجاح التجاري، ما يعني أن جزءاً من هذه القيمة يمثل التزامات محتملة وليس أموالاً دُفعت بالفعل.

وتعكس هذه التحركات انتقال الذكاء الاصطناعي في صناعة الدواء من مرحلة التجارب المحدودة إلى جزء متزايد الأهمية من عمليات البحث والتطوير، إذ تستخدم الشركات هذه التقنيات في اكتشاف الأهداف العلاجية، وتصميم الجزيئات، وتطوير الأجسام المضادة، وتحليل البيانات البيولوجية، واختيار المشاركين في التجارب السريرية، إلى جانب أتمتة العمليات المختبرية.

ومن بين أكبر الصفقات، اتفاق شركة «فايزر» مع «بوست إيرا» في يناير 2025، الذي تصل قيمته المحتملة إلى 610 ملايين دولار، منها 12 مليون دولار دفعة مقدمة، بهدف توسيع مختبر الذكاء الاصطناعي المشترك وإضافة برنامج لتصميم الحمولات الدوائية المرتبطة بالأجسام المضادة.

وفي فبراير 2025، أبرمت شركة «إنسايت» اتفاقاً مع شركة «جينيسيس ثيرابيوتكس» بقيمة 30 مليون دولار مقدماً، مع إمكانية الحصول على ما يصل إلى 295 مليون دولار لكل هدف علاجي، إلى جانب حقوق مالية مرتبطة بالمبيعات، لاستخدام منصة قائمة على الذكاء الاصطناعي في تصميم جزيئات دوائية صغيرة.

كما وسعت «إيلي ليلي» حضورها في هذا المجال، من خلال اتفاق مع «كريون بايو» في أبريل 2025 بقيمة أولية تبلغ 13 مليون دولار وأكثر من مليار دولار مرتبطة بمراحل التطوير، لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تصميم أدوية تستهدف الحمض النووي الريبي.

وأبرمت «ليلي» في أغسطس 2025 اتفاقاً مع «سوبرلومينال ميديسينز» تصل قيمته إلى 1.3 مليار دولار، بهدف استخدام منصة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لاكتشاف علاجات تستهدف مجموعة من البروتينات المعروفة بدورها في عدد كبير من الأمراض.

وفي يونيو 2025، وقعت «أسترازينيكا» اتفاقاً مع شركة «سي إس بي سي فارماسوتيكال» بقيمة 110 ملايين دولار مقدماً، مع إمكانية وصول مدفوعات التطوير إلى 1.62 مليار دولار ومدفوعات المبيعات إلى 3.6 مليار دولار، بهدف اكتشاف مرشحات دوائية فموية جديدة، مع حصول أسترازينيكا على حقوق الترخيص العالمية.

وفي سبتمبر 2025، أعلنت «ميرك» الألمانية تعاوناً مع «فاليو هيلث» يمكن أن تتجاوز قيمته 3 مليارات دولار، للاستفادة من تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات البشرية في اكتشاف الأهداف العلاجية وتسريع مراحل التطوير قبل السريرية.

كما أعلنت «نوفارتس» في ديسمبر 2025 اتفاقاً مع «ريليشن ثيرابيوتكس» يتضمن 55 مليون دولار مقدماً وما يصل إلى 1.7 مليار دولار في صورة مدفوعات مرتبطة بمراحل التطوير، للاستفادة من الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات متعددة المصادر في اكتشاف أهداف علاجية جديدة.

وشهدت «تاكيدا» اليابانية بدورها توسعاً في هذا المجال من خلال اتفاق مع «نابلا بايو» في أكتوبر 2025، يتضمن دفعة مقدمة بعشرات الملايين من الدولارات ومدفوعات مرتبطة بمراحل التطوير تتجاوز مليار دولار، لتوظيف نماذج الذكاء الاصطناعي في تصميم الأجسام المضادة والعلاجات متعددة الأهداف.

وكانت «إيلي ليلي» قد عمقت تعاونها مع شركة «إنسيليكو ميديسين» في مارس 2026، في اتفاق تصل قيمته إلى 2.75 مليار دولار، منها 115 مليون دولار دفعة مقدمة، إلى جانب مدفوعات مرتبطة بمراحل التطوير والموافقات التنظيمية والنجاح التجاري، فضلاً عن حقوق مالية من المبيعات المستقبلية. ويمنح الاتفاق «ليلي» حقوقاً حصرية عالمية لتطوير وتصنيع وتسويق عدد من العلاجات الفموية التي طورتها «إنسيليكو» باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ولا تقتصر الاستثمارات على عقد صفقات مع شركات التكنولوجيا الحيوية، إذ تعمل شركات الأدوية أيضاً على بناء قدراتها الحوسبية الخاصة. فقد تعاونت «إيلي ليلي» مع «إنفيديا» لبناء بنية حوسبة ضخمة مخصصة للبحث والتطوير، تضم أكثر من ألف وحدة معالجة رسومية، فيما عززت شركات أخرى قدراتها في مجال الحوسبة وتحليل البيانات لتشغيل نماذج أكثر تعقيداً.

كما كثفت «روش» استثماراتها في البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، بينما تعاونت «إنفيديا» مع «ثيرمو فيشر» لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي مع أدوات المختبرات، بما يسمح بأتمتة عدد متزايد من العمليات التي كانت تتطلب تدخلاً بشرياً مباشراً.

وفي قطاع تطوير الأدوية البيولوجية، تتجه الشركات إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم الأجسام المضادة والجزيئات المعقدة، فيما تعمل «جي إس كيه» مع شركات متخصصة على استخدام بيانات وراثية ونماذج رقمية للخلايا بهدف اكتشاف أهداف علاجية جديدة، خصوصاً في مجال السرطان.

وتشير هذه التحركات إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي لم يعد محصوراً في مرحلة اكتشاف الجزيئات، وإنما يمتد تدريجياً إلى مختلف مراحل دورة تطوير الدواء. وتشمل التطبيقات اختيار مواقع التجارب السريرية والمرضى المناسبين، وتحليل نتائج الدراسات، وإعداد المستندات التنظيمية، وإدارة عمليات التصنيع.

وفي أبريل 2026، أطلقت شركة «أمازون» أداة جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمساعدة الباحثين في إجراء عمليات حسابية مرتبطة باكتشاف الأدوية في مراحلها المبكرة، بينما أعلنت «بريستول مايرز سكويب» في مايو تعاوناً مع شركة «أنثروبيك» لإتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي لموظفيها بهدف دعم عمليات اكتشاف الأدوية وتطويرها وإنتاجها.

كما أنشأت «بورينجر إنجلهايم» مركزاً متخصصاً في الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة في لندن، مع التركيز على تطبيقات يمكن أن تحقق مكاسب سريعة في البحث والتطوير، من بينها اختيار مواقع التجارب السريرية واستقطاب المشاركين وإعداد الملفات التنظيمية.

وتقدم تجربة «إنسيليكو ميديسين» نموذجاً على السرعة التي تراهن عليها صناعة الدواء، إذ قالت الشركة في يوليو 2026 إن استخدام الذكاء الاصطناعي ساعدها على تقليص الفترة اللازمة للوصول إلى مرشح دوائي إلى نحو عام في المتوسط، فيما سجلت في إحدى الحالات مدة بلغت 9 أشهر، مقارنة بنحو 4.5 سنوات بالطريقة التقليدية.

ورغم هذا التسارع، لا تزال الصناعة أمام تحديات علمية وتنظيمية، إذ يتركز الجزء الأكبر من الأدلة الحالية على فوائد الذكاء الاصطناعي في المراحل المبكرة من اكتشاف الأدوية وتصميم الجزيئات، بينما لا تزال قدرته على تقليل معدلات فشل الأدوية في المراحل السريرية وإحداث تحول مماثل في معدلات النجاح التجاري بحاجة إلى مزيد من الإثبات.

وتكشف موجة الصفقات والشراكات، التي تجاوزت قيمتها المعلنة والمحتملة 19 مليار دولار وفقاً للصفقات التي أمكن تحديد قيمتها في الفترة محل الرصد، عن تحول استراتيجي في صناعة الدواء، حيث لم تعد المنافسة تعتمد فقط على امتلاك الجزيئات الواعدة أو القدرات البحثية التقليدية، وإنما أصبحت تشمل امتلاك البيانات، وقدرات الحوسبة، ونماذج الذكاء الاصطناعي، والمختبرات المؤتمتة التي يمكنها تحويل البيانات البيولوجية إلى مرشحات علاجية بصورة أسرع.

وبينما تراهن شركات الأدوية على أن التكنولوجيا يمكن أن تخفض تكلفة تطوير العلاجات وتختصر سنوات من العمل، فإن الاختبار الحقيقي خلال السنوات المقبلة سيكون قدرة الذكاء الاصطناعي على الانتقال من تسريع العمليات إلى رفع احتمالات نجاح الأدوية نفسها والوصول بها إلى المرضى بصورة أسرع وأقل تكلفة.

اترك تعليق