واصل سوق الدواء المصري تحقيق معدلات نمو إيجابية خلال عام 2026، مدفوعًا بتحسن مستويات توافر المستحضرات الدوائية، وزيادة القدرات الإنتاجية للشركات، إلى جانب الأثر المتراكم لمراجعات الأسعار التي شهدها عدد من الأصناف خلال الفترة الماضية، في ظل مؤشرات على تحسن استقرار عمليات الإنتاج والإمداد.
وكشفت مصادر دوائية مطلعة لـ«سوق الدواء» أن مبيعات سوق الدواء المصري عبر القطاع الخاص ارتفعت بنسبة 14.6% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، لتسجل نحو 213.2 مليار جنيه، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وأوضحت المصادر أن السوق سجل خلال أغسطس 2026 مبيعات بقيمة 29.7 مليار جنيه، محققًا نموًا بنسبة 23.7% على أساس سنوي، وهو معدل يتجاوز النمو التراكمي المسجل خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، بما يعكس تسارع وتيرة النمو في قيمة المبيعات خلال الشهر.
وعلى مستوى المبيعات التراكمية لآخر 12 شهرًا، سجل سوق الدواء المصري نحو 320.5 مليار جنيه خلال الفترة المنتهية في يوليو 2026، بزيادة 16.2% مقارنة بالفترة المناظرة السابقة، في مؤشر على استمرار التوسع في القيمة السوقية لقطاع الدواء عبر قنوات القطاع الخاص.
وتعكس هذه المؤشرات استمرار نمو السوق خلال عام 2026، مع تحسن نسبي في الظروف التشغيلية مقارنة بالفترات السابقة، التي شهدت ضغوطًا على الشركات نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، ونقص بعض المواد الخام ومدخلات التصنيع، فضلًا عن تداعيات تحركات أسعار الصرف على تكلفة استيراد الخامات والمستحضرات الدوائية.
ويأتي تحسن مستويات توافر الأدوية وزيادة القدرات الإنتاجية للشركات ضمن العوامل الداعمة لنمو السوق، إلى جانب الأثر الممتد لمراجعات أسعار عدد من المستحضرات، والتي أسهمت في زيادة القيمة البيعية للأدوية خلال الفترة الماضية.
ومع ذلك، فإن نمو المبيعات بالقيمة لا يعكس بالضرورة زيادة مماثلة في حجم الاستهلاك الدوائي، إذ يتأثر إجمالي المبيعات بالتغيرات السعرية إلى جانب حجم الوحدات المباعة والمزيج البيعي للمستحضرات، وهو ما يستدعي التمييز بين النمو الناتج عن زيادة الكميات والنمو المرتبط بمراجعات الأسعار.
وعلى مستوى البنية الصناعية، يمتلك سوق الدواء المصري قاعدة تصنيع محلية واسعة تضم نحو 183 مصنعًا، تعمل من خلال 1004 خطوط إنتاج، بما يوفر قدرات تصنيعية لدعم احتياجات السوق المحلية، ويشكل قاعدة رئيسية لتنفيذ خطط الدولة الرامية إلى تعميق التصنيع الدوائي وزيادة الاعتماد على المنتجات المصنعة محليًا.
وتغطي الصناعة الوطنية نحو 91% من احتياجات السوق المصرية من حيث عدد الوحدات الدوائية المتداولة، مقابل نحو 76% من حيث القيمة، بما يعكس ارتفاع مساهمة المستحضرات المستوردة في إجمالي القيمة السوقية مقارنة بحصتها من عدد الوحدات، خاصة في بعض المجالات العلاجية المتخصصة التي تضم أدوية مرتفعة التكلفة.
ويبرز هذا التفاوت أهمية التوسع في توطين المستحضرات الدوائية مرتفعة القيمة، وتعزيز قدرات الشركات المحلية على إنتاج العلاجات المتخصصة، إلى جانب زيادة المكون المحلي في صناعة الدواء، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز قدرة القطاع على مواجهة المتغيرات الاقتصادية.
كما يضم السوق المصري نحو 1724 شركة تعتمد على نظام التصنيع لدى الغير «Toll Manufacturing»، الذي يتيح للشركات غير المالكة لمنشآت صناعية إنتاج مستحضراتها من خلال المصانع القائمة، بما يدعم الاستفادة من الطاقات التصنيعية المتاحة، ويوسع قاعدة الشركات العاملة في السوق، ويسهم في تنوع المحافظ الدوائية.
ويعكس انتشار هذا النموذج طبيعة الهيكل الصناعي لسوق الدواء المصري، الذي يجمع بين الشركات المالكة للمصانع والشركات المعتمدة على التصنيع التعاقدي، بما يتيح فرصًا للتوسع في الإنتاج دون الحاجة إلى إنشاء منشآت صناعية مستقلة لكل شركة.
وعلى صعيد الاستثمارات الأجنبية، يضم القطاع نحو 21 شركة دوائية عالمية تعمل في مصر من خلال مصانع محلية أو مكاتب علمية، ما يعكس أهمية السوق المصرية بالنسبة للشركات الدولية، سواء لتلبية الطلب المحلي أو الاستفادة من القاعدة الصناعية القائمة في دعم خطط التوسع الإقليمي.
وتشير مؤشرات المبيعات خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام إلى استمرار النمو في سوق الدواء المصري، بالتزامن مع تحسن مستويات التوافر وتوسع القدرات التصنيعية، بينما تظل استدامة هذا النمو مرتبطة بقدرة الشركات على تأمين احتياجاتها من مدخلات الإنتاج، والحفاظ على انتظام الإمدادات، وتحقيق التوازن بين تكاليف التصنيع وأسعار المستحضرات الدوائية.
ويظل التوسع في التصنيع المحلي، خاصة في المستحضرات مرتفعة القيمة، أحد المسارات المهمة لتعزيز قدرة السوق على تلبية احتياجات المرضى، وتقليل الاعتماد على الواردات، وزيادة مساهمة صناعة الدواء المصرية في الأسواق الإقليمية والدولية.
