الدكتور محيى حافظ: التصدير «مسار إجبارى».. وقادرون على الوصول بصادرات الدواء المصرى إلى 5 مليارات دولار بحلول 2030
حاوره: عبدالحليم الجندي – أحمد أبوشرابية
الدكتور محيى حافظ رئيس المجلس التصديرى للصناعات الدوائية والطبية في حوار خاص لـ «سوق الدواء»
حصول مصر على مستوى النضج الثالث من منظمة الصحة العالمية شهادة ثقة أعادت صياغة سُمعة الدواء المصرى
نستهدف تمكين الدواء المصرى من المنافسة العادلة والمستدامة عالمياً وتحويل مصر إلى مركز إقليمى لصناعة الدواء وتصديره
المجلس التصديرى يساعد الشركات على اتخاذ قرارات تصديرية قائمة على بيانات دقيقة وليس مجرد اجتهادات فردية
ننتج 4 مليارات عبوة دواء سنوياً تمثل 50% من قدراتنا التصنيعية والتصدير الحل الأمثل لاستغلال فائض الإنتاج
شهادات الاعتماد الدولية والتتبُّع الدوائى تحديات مالية قبل أن تكون فنية.. ونتفاوض لتوفير تمويلات ميسَّرة للمصانع
نحتاج إلى حوار مع الإدارات العالمية لشركات الدواء متعدِّدة الجنسيات لتحويل مصر إلى مركز تصدير إقليمى لمصانعها
25 % معدلات نمو نستهدف تحقيقها فى صادرات القطاع السنوات المقبلة
1.3 مليار دولار حجم الصادرات الدوائية خلال العام الماضى 2025
500 ألف دولار يحتاجها كل مصنع للحصول على شهادة الاعتماد الدولية
الصناعة الدوائية والطبية فى مصر من القطاعات الاستراتيجية التى تُسْهم بشكل مباشر فى دعم الاقتصاد الوطنى، ليس فقط من خلال تلبية احتياجات السوق المحلية، بل أيضاً عبر تعزيز مكانة مصر على خريطة التصدير العالمية. وفى ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة والمنافسة الدولية الشديدة، أصبح التوسُّع فى الصادرات وتحقيق القيمة المضافة للمنتج المصرى هدفاً أساسياً للدولة والقطاع الخاص على حدٍّ سواء.
وللمجلس التصديرى للصناعات الدوائية والطبية دور محورى فى صياغة استراتيجيات التصدير، ودعم الشركات المصرية لدخول أسواق جديدة، وتعزيز قدرتها على المنافسة وفق المعايير الدولية. ومن خلال توفير البيانات الدقيقة، والمساندة الفنية والتنظيمية، يُسْهم المجلس فى تسهيل الإجراءات، وتشجيع الاستثمار، وتطوير القدرات الإنتاجية، بما يزيد من قيمة الصادرات ويعزز مكانة المنتج المصرى عالمياً.
فى الحوار التالى، يكشف الدكتور محيى حافظ، رئيس المجلس التصديرى للصناعات الدوائية والطبية، عن استراتيجيات المجلس للوصول بصادرات القطاع إلى نحو 3 مليارات دولار بحلول عام 2030، وربما إلى 5 مليارات دولار إذا ما تلقى القطاع مساندة حكومية مستمرة وتحركاً واسعاً من الشركات، إلى جانب مواجهة تحديات المصانع للحصول على الاعتمادات الدولية والامتثال للمعايير العالمية.

بدايةً، كيف تقيِّمون الدور الذى يقوم به المجلس التصديرى للصناعات الدوائية والطبية فى دعم القطاع الدوائى المصرى؟
المجلس التصديرى للصناعات الدوائية والطبية يقوم بدور استراتيجى محورى منذ أكثر من عشرين عاماً، ولم يعد يقتصر دوره على كونه جهة تروِّج للصادرات فقط، بل أصبح شريكاً أصيلاً فى صياغة رؤية الدولة المصرية لتعظيم القيمة المضافة للصناعة الطبية بمختلف مكوِّناتها، ونحن حلقة وصل متكاملة بين مجتمع الصناعة من جهة، والجهات الحكومية والتنظيمية من جهة أخرى، ونسعى باستمرار إلى إزالة المعوِّقات التشريعية والفنية والتمويلية التى قد تعترض نمو الصادرات.
كما يضطلع المجلس بدور استشارى مهم، من خلال إعداد دراسات تفصيلية عن الأسواق الخارجية، وتحليل فرص النفاذ والتحديات التنظيمية فى كل سوق، بما يساعد الشركات المصرية على اتخاذ قرارات تصديرية قائمة على بيانات دقيقة وليس مجرد اجتهادات فردية.
وقد تطوَّر دور المجلس خلال السنوات الأخيرة ليشمل بناء القدرات التصديرية للشركات، وتوجيه الاستثمارات نحو الأسواق الواعدة، والمشاركة فى صياغة السياسات الصناعية والتجارية، بالتنسيق مع هيئة الدواء المصرية ووزارات التجارة والصناعة والصحة والتعاون الدولى، وهدفنا النهائى هو تمكين المنتج الدوائى المصرى من المنافسة العادلة والمستدامة فى الأسواق العالمية، وتحويل مصر إلى مركز إقليمى لصناعة الدواء وتصديره.
كيف كان أداء صادرات الصناعات الدوائية والطبية خلال الفترة الأخيرة؟
شهد القطاع الطبى المصرى أداءً إيجابياً خلال عام 2025، رغم التحديات الاقتصادية العالمية والإقليمية؛ حيث بلغت صادرات الأدوية والمستلزمات الطبية ومستحضرات التجميل قرابة مليار دولار وفق بعض الجهات الرسمية، فى حين تشير التقديرات الشاملة – بعد احتساب جميع المنافذ والمنتجات المرتبطة – إلى وصول الرقم إلى ما بين 1.2 و1.3 مليار دولار.
وتعود الفجوة بين الأرقام إلى اختلاف آليات التصنيف؛ فبعض المنتجات مثل المكمِّلات الغذائية أو المنسوجات الطبية تُدرج أحياناً ضمن قطاعات أخرى غير القطاع الطبى، لكن الأهم من الرقم ذاته هو الاتجاه العام الذى يؤكد وجود نمو حقيقى ومستدام؛ فنحن نشهد زيادة واضحة فى عدد الشركات المصدِّرة، وتوسُّعاً فى خريطة الأسواق، إلى جانب ارتفاع ملحوظ فى صادرات المنتجات ذات القيمة المضافة الأعلى، وليس فقط الأدوية التقليدية منخفضة السعر، وهذا يعكس تطوراً نوعياً فى الصناعة المصرية وقدرتها على المنافسة.

ما الاستراتيجية التى يعتمدها المجلس لزيادة الصادرات خلال السنوات المقبلة؟
تعتمد استراتيجيتنا على محورين رئيسين متكاملين: المحور الأول هو النمو الرأسى، أى تعظيم صادرات الشركات القائمة بالفعل، من خلال مساعدتها على التوسُّع داخل الأسواق التى تعمل بها حالياً، وفتح قنوات توزيع جديدة، ورفع قدراتها الفنية والتنظيمية بما يتوافق مع متطلبات تلك الأسواق.
أما المحور الثانى فهو النمو الأفقى، ويستهدف إدخال شركات جديدة – خاصة المتوسطة والصغيرة – إلى منظومة التصدير، وتوسيع قاعدة المصدِّرين، وعدم قصر التصدير على عدد محدود من الشركات الكبرى.
نحن نستهدف تحقيق معدلات نمو سنوية تتراوح بين 25 و30%، بما يسمح بالوصول إلى صادرات بقيمة 3 مليارات دولار بحلول عام 2030، مع هدف طموح بالوصول إلى 5 مليارات دولار إذا ما اكتملت منظومة الشهادات الدولية، والتمويل، والتصنيع التعاقدى، ونقل التكنولوجيا.
ما مدى جاهزية الصناعة الدوائية المصرية من حيث الطاقات الإنتاجية؟
الصناعة الدوائية المصرية تتمتع بميزة نسبية مهمة للغاية، وهى وجود طاقات إنتاجية فائضة كبيرة؛ فمصر تنتج حالياً ما بين 3.6 و4 مليارات عبوة دوائية سنوياً، بينما تصل الطاقة الإنتاجية الفعلية المتاحة إلى ما بين 7 و8 مليارات عبوة، أى إن هناك ما يقرب من 50% من الطاقات غير المستغلة، يمكن توجيهها مباشرة للتصدير دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة جديدة.
كما تمتلك مصر أكثر من 900 خط إنتاج دوائى، موزعة على مصانع لديها خبرات تراكمية كبيرة، وكوادر فنية مدرَّبة، وهو ما يؤهلها لتلبية الطلبات الخارجية سواء فى الأدوية التقليدية أو بعض المستحضرات المتقدمة.. هذه الطاقات تمثل فرصة حقيقية إذا ما تم استغلالها ضمن استراتيجية تصديرية واضحة ومتكاملة.

ما التحديات الرئيسة التى تعيق التوسُّع التصديرى للمصانع المصرية؟
يمكن تلخيص هذه التحديات فى ثلاثة محاور أساسية؛ أولاً: الحصول على شهادات الاعتماد الدولية، وهى شهادات ضرورية للنفاذ السريع للأسواق الخارجية، لكنها تتطلب استثمارات مالية وفنية كبيرة.
ثانياً: إعداد ملفات التسجيل الدولية (CTD Files)، التى أصبحت اللغة العالمية لتسجيل الدواء، وتكلفتها مرتفعة نسبياً، حيث قد يصل إعداد الملف الواحد إلى 1.5 أو 2 مليون جنيه.
ثالثاً: تطبيق أنظمة التتبُّع الدوائى، التى أصبحت مطلباً إلزامياً فى العديد من الدول، وتكلف نحو 50 ألف دولار لكل خط إنتاج.
هذه التحديات ليست فنية فقط، بل مالية بالدرجة الأولى، وهو ما يجعل بعض الشركات – خاصة المتوسطة والصغيرة – تتردد فى دخول مجال التصدير رغم امتلاكها منتجات ذات جودة عالية.
كيف تعملون على مواجهة هذه التحديات، خاصة من ناحية التمويل؟
تحركنا على أكثر من مسار لمواجهة هذه التحديات، أحد أهم هذه المسارات هو التفاوض مع مؤسسات تمويل دولية لتوفير قروض طويلة الأجل بشروط ميسَّرة، ومن بين هذه الجهات البنك الإسلامى للتنمية؛ حيث ناقشنا إمكانية توفير تمويل يصل إلى 500 ألف دولار لكل مصنع، مخصص للحصول على شهادات الجودة الدولية، وإعداد ملفات CTD، وتطبيق نظم التتبُّع الدوائى.
كما نطمح إلى إحياء تجربة مركز تحديث الصناعة فى عام 2004، حين حصلت المصانع المصرية على منح ودعم أوروبى مكَّنتها من الحصول على عشرات الشهادات الدولية. نحن نؤمن بأن الاستثمار فى الجودة ليس عبئاً مالياً، بل هو استثمار مباشر فى زيادة الصادرات وتعزيز القدرة التنافسية.

ما دور هيئة الدواء المصرية فى دعم هذا التوجُّه؟
هيئة الدواء المصرية كان لها دور محورى فى دعم الصناعة والتصدير خلال السنوات الأخيرة، وكان حصول مصر على مستوى النضج الثالث (ML3) من منظمة الصحة العالمية إنجازاً بالغ الأهمية؛ لأنه عزَّز الثقة الدولية فى النظام الرقابى المصرى، وأسهم فى تقليل الحاجة إلى التفتيش المتكرر فى كثير من الدول.
كما أطلقت الهيئة مبادرات تنظيمية مهمة، تعالج مشكلة فروق الأسعار بين السوق المحلية وسوق التصدير، ومنح الشركات مرونة أكبر فى التسعير التصديرى دون الإضرار بتوافر الدواء محلياً.
ما أهمية التصنيع التعاقدى فى استراتيجية التصدير؟
التصنيع التعاقدى (Contract Manufacturing) هو النموذج السائد عالمياً، ولا يوجد ما يُعرف بـ«التصنيع لحساب الغير» بالمفهوم التقليدى. هذا النموذج يسمح للشركات بامتلاك منتجاتها وتسويقها، مع الاستعانة بمصانع أخرى للتصنيع وفق تراخيص واضحة.
هذا التوجُّه يتيح لمصر أن تصبح مركزاً إقليمياً للتصنيع؛ حيث يمكن للشركات الأجنبية تصنيع منتجاتها داخل مصر للاستفادة من العمالة المدرَّبة والتكلفة التنافسية، ثم التصدير للأسواق الخارجية، كما يفتح الباب أمام إنشاء مراكز تصنيع إقليمية فى إفريقيا وآسيا الوسطى تحت ترخيص الشركات المصرية.

ماذا عن دور الشركات متعدِّدة الجنسيات العاملة فى مصر؟
الشركات متعدِّدة الجنسيات تستحوذ على نحو 45% من السوق المحلية، لكنها للأسف تصدِّر جزءاً محدوداً من إنتاجها من مصر، رغم أن لديها مصانع ذات كفاءة عالية، وفى المقابل تُصدِّر هذه الشركات كميات ضخمة إلى إفريقيا من مصانعها فى أوروبا وآسيا.
نحن نعمل حالياً – بالتنسيق مع الحكومة – على فتح حوار مباشر مع الإدارات العالمية لهذه الشركات لمعرفة متطلباتها لتصدير منتجاتها من مصر، ولو نجحنا فى تحويل جزء يسير من صادرات هذه الشركات إلى مصانعها فى مصر، يمكننا إضافة ما بين 2 و3 مليارات دولار إلى الصادرات الوطنية.
ما رؤيتكم لمستقبل الصناعة الدوائية المصرية حتى عام 2030؟
رؤيتنا واضحة وطامحة: أن تصبح مصر مركزاً إقليمياً ودولياً لصناعة وتصدير الدواء، ونحن نستهدف رفع الصادرات إلى ما بين 3 و5 مليارات دولار، وتوسيع قاعدة المصدِّرين، وتطبيق المعايير الدولية فى جميع المصانع، بما يشمل الأدوية التقليدية والبيولوجية.
الفرصة متاحة، والدعم السياسى موجود، والبنية الصناعية قوية. المطلوب فقط هو العمل الجماعى، والاستثمار فى الجودة، واستغلال الاتفاقيات الدولية بذكاء. أنا واثق بأن الصناعة الدوائية المصرية قادرة على تحقيق طفرة تصديرية حقيقية خلال السنوات المقبلة، بما يخدم الاقتصاد الوطنى ويعزِّز مكانة مصر إقليمياً وعالمياً.

