سوق الدواء
كل ما تريد معرفته عن سوق الدواء

عبدالحليم الجندى يكتب.. سوق الدواء المصرية تطرق أبواباً جديدة من النُّمو والابتكار

تُثبت التجارب الاقتصادية أن الأزمات ليست نهاية المسار، بل نقطة تحوُّل تعيد ترتيب الأولويات وتدفع نحو الابتكار؛ ففى قلب الضغوط الاقتصادية؛ حيث تتأثر قيمة العملات، وتتراجع السيولة، وتتزايد الضغوط التمويلية، وتتعطَّل سلاسل الإمداد، تبدأ المؤسسات فى البحث عن حلول غير تقليدية؛ فتظهر نماذج أعمال جديدة، وتَتسارع خُطط التحوُّل الرَّقْمى، ويُعاد توطين الصناعات الحيوية لتُنبِت من قلب الأزمة فرصاً للنُّمو والتوسُّع والابتكار.

ودائماً ما تكون الشركات التى تقرأ الأزمة مبكِّراً هى الأكثر قدرةً على اقتناص الفرص؛ سواء عبر طرح منتجات مبتكرة، أو دخول أسواق جديدة، أو بناء شراكات استراتيجية؛ لذلك لا تُقاس قوَّة المؤسسات بقدرتها على العمل فى الظروف الطبيعية، بل بمُرونتها عند الاضطراب؛ فالتحديات تختبر صلابة الإدارة، وتكافئ الجرأة المدروسة، وتُحوِّل التحديات إلى مسارات نُمو لم تكن مطروحةً من قبل.

وتُعدُّ سوق الدواء المصرية نموذجاً حياً لهذا الدرس القاسى والمُلهِم؛ فقد صمد قطاع الدواء أمام ضغوطٍ استثنائية على مدار ثلاث سنوات متواصلة، بدأت من تحرير سعر الصَّرف ونقص النقد الأجنبى، وصولاً إلى اضطراب الإمدادات وارتفاع الفائدة وتحديات التسعير الجبرى، ومع ذلك تحوَّلت هذه المِحَن إلى حافز وطنى لإعادة تقييم السياسات، وضمان توافر الدواء الآمِن والفعَّال بأسعار عادلة للمريض المصرى، مع صياغة معادلة تضمن ربحية تسمح باستدامة القطاع وتطوُّره.

ومن هنا شهدنا الشروع الفعلى فى تأسيس قلاعٍ وطنية للأدوية البيولوجية، والأورام، واللِّقاحات، وتصنيع المواد الخام، وهو تحوُّل نوعى ينقل سوق الدواء المصرية من مرحلة التصنيع التقليدى إلى مرحلة التصنيع المتقدِّم.

لقد أدارت الدولة المصرية، عبر هيئتى الدواء والشراء الموحَّد، تلك الأزمات باحترافية مكَّنتها من وضع الأسس والمعايير التى تضمن عدم تكرار الخلل تنظيمياً ورقابياً، مع تقديم حوافز حقيقية للتوطين والتصدير ورقمنة سلاسل الإمداد؛ لتصوغ بذلك فصلاً جديداً من فصول السِّيادة الدوائية.

وفى هذا السِّياق، نجحت هيئة الدواء المصرية فى انتزاع المستوى الثالث من النُّضج المؤسسى (ML3) من منظمة الصحة العالمية؛ لتصبح مصر أوَّل دولة إفريقية منتِجة تنال هذا الاعتراف الدولى الرَّفيع. إن هذا الاعتماد ليس مجرَّد شهادة فنية، بل هو «جواز مرور» عالمى يعزِّز ثقة بلدان العالم بكفاءة الدواء المصرى، ويُسهِّل نفاذَه للأسواق الإقليمية، ويجذب الاستثمارات الأجنبية الباحثة عن بيئة رقابية موثوقة. ولعل التطلُّع لبلوغ المستوى الرابع من النضج المؤسسى سيُحقِّق قفزة نوعية كبرى للسوق المصرية فى السنوات القليلة المقبلة.

إن الإجراءات الجوهرية التى تتخذها هيئة الدواء المصرية لتحقيق نقلة نوعية لسوق الدواء المصرية لم تتوقَّف عند هذا الحد، بل بدأت الهيئة فى تطبيق منظومة التتبُّع الدوائى، فضلاً عن تسجيل الملفات الدوائية بنظام CTD وECTD، إضافة إلى توقيع اتفاقيات مع العشرات من البلدان الإفريقية للاعتماد التنظيمى جمعت بين الهيئات الدوائية، مما يُسهِّل نفاذ الدواء المصرى إلى تلك البلدان ويدعم نُموَّه وتطوُّره وربحيته.

كما نجحت هيئة الشراء الموحَّد فى ترسيخ توطين المستحضرات الحيوية واللقاحات، عبر شراكات ذكية مع كبرى المؤسسات العالمية، ورقمنة منظومة التوزيع، وبناء مخازن استراتيجية، لتحقيق الأمن الدوائى الشامل، وهو ما يفتح آفاقاً استثمارية هائلة أمام الشركات المحلية.

والآن أصبح الطريق ممهَّداً أمام شركات الأدوية الوطنية للاستفادة من هذه المكتسبات عبر تبنّي ثلاث استراتيجيات تضمن النمو المستدام. أولها طَرْق أبواب المجموعات العلاجية المتطورة التي تتيح إنتاج الأدوية الحيوية، وتحدّ من الاعتماد على الواردات، وتعزّز السيطرة على سلاسل الإمداد بما يدعم الأمن الدوائي،.

أما الاستراتيجية الثانية فتكمن في التوسّع في التصدير، الذى أصبح مساراً إجبارياً للشركات التى ترغب فى تعزيز إيراداتها وتحقيق استدامة مالية تمكِّنها من مواجهة الضغوط المحلية، بينما تتمثل الاستراتيجية الثالثة في عقد شراكات مع مؤسسات إقليمية وعالمية لدعم القدرات المالية والتقنية، ونقل الخبرات والتعاون في البحث والتطوير، بما يمكّن الشركات من تنفيذ خطط توسعية والتحول إلى لاعبين إقليميين مؤثرين، يقدمون حلول علاجية أكثر تطوراً للمرضى.

وتبقى الآن الكرة فى ملعب شركات الأدوية المحلية لتحقيق تلك الاستراتيجيات الثلاث، وتحقيق السِّيادة الدوائية؛ من خلال الانتقال من مرحلة التوطين إلى مرحلة التعميق، إضافة إلى تأهيل مصانعها للتوافق مع المعايير العالمية، والسَّعى نحو الحصول على الاعتمادات الدولية، مما يُسهِّل لها جذب العديد من المستثمرين، فضلاً عن فتح العديد من الأسواق التصديرية القادرة على منحها مزيداً من الرِّبحية.

عبدالحليم الجندى يكتب.. سوق الدواء المصرية تطرق أبواباً جديدة من النُّمو والابتكار

اترك تعليق