واصل سوق الدواء المصري تحقيق معدلات نمو إيجابية خلال عام 2026، مدعومًا بتحسن مستويات توافر المستحضرات الدوائية واستقرار الأوضاع التشغيلية نسبيًا، إلى جانب اتساع القاعدة التصنيعية المحلية، في وقت تعكس فيه المؤشرات استمرار ارتفاع القيمة السوقية للقطاع، رغم التحديات المرتبطة بتكاليف الإنتاج ومدخلات التصنيع المستوردة.
وكشفت مصادر دوائية مطلعة لـ«سوق الدواء» عن ارتفاع مبيعات سوق الدواء المصري عبر القطاع الخاص بنسبة 14.9% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، لتسجل نحو 244.7 مليار جنيه، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بما يعكس استمرار التوسع في قيمة المبيعات خلال العام الجاري.
وتشير هذه النتائج إلى أن السوق المصرية حافظت على مسار نموها خلال الربع الثالث، مع تسجيل سبتمبر أداءً قويًا، في ظل التحسن النسبي في توافر الأدوية واستمرار الطلب على المستحضرات المستخدمة في علاج الأمراض المزمنة والحالات المرضية المختلفة.
سبتمبر يسجل 31.4 مليار جنيه بنمو 16.5%
وأوضحت المصادر أن مبيعات سوق الدواء المصري بلغت نحو 31.4 مليار جنيه خلال سبتمبر 2026، بزيادة 16.5% على أساس سنوي، مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.
ويمثل هذا الأداء مؤشرًا إيجابيًا على استمرار نمو المبيعات بالقيمة، خاصة أن معدل النمو المسجل خلال سبتمبر تجاوز متوسط النمو التراكمي للأشهر التسعة الأولى من العام.
كما يكشف الأداء الشهري عن استقرار نسبي في وتيرة النشاط التجاري داخل القطاع، بعد فترات شهدت تحديات مرتبطة بتوافر بعض الأصناف الدوائية، وارتفاع تكاليف التصنيع والاستيراد.
ومع ذلك، فإن نمو المبيعات بالقيمة لا يعني بالضرورة ارتفاع كميات الأدوية المباعة بالنسبة نفسها، إذ تتأثر الإيرادات بعوامل متعددة، تشمل التغيرات السعرية، وحجم العبوات المتداولة، وتحولات الطلب بين الفئات العلاجية، فضلًا عن تغير المزيج البيعي للشركات.
325 مليار جنيه مبيعات آخر 12 شهرًا
وعلى مستوى المبيعات التراكمية المتحركة لآخر 12 شهرًا، سجل سوق الدواء المصري عبر القطاع الخاص نحو 325 مليار جنيه خلال الفترة المنتهية في سبتمبر 2026، بنمو 15.5% مقارنة بفترة الاثني عشر شهرًا السابقة.
ويعكس هذا المؤشر استمرار التوسع في القيمة السوقية لقطاع الدواء، حيث يوفر قياس المبيعات على مدار عام كامل صورة أكثر شمولًا لاتجاهات النشاط، بعيدًا عن التذبذبات الشهرية والتأثيرات الموسمية.
كما يشير تقارب معدلات النمو السنوية والتراكمية إلى استمرار الاتجاه التصاعدي للسوق بالقيمة، دون أن تكون الزيادة المسجلة مقصورة على شهر بعينه.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة بالنظر إلى مكانة السوق المصرية باعتبارها إحدى الأسواق الدوائية الرئيسية في المنطقة، سواء من حيث حجم الطلب المحلي أو القاعدة الصناعية القائمة أو أعداد الشركات العاملة في تصنيع وتسويق المستحضرات الدوائية.
تحسن توافر الأدوية يدعم النشاط.. وتكاليف الإنتاج تظل تحديًا
وتأتي نتائج الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 في سياق تحسن نسبي في الظروف التشغيلية لسوق الدواء المصري، مقارنة بالفترات السابقة التي شهدت ضغوطًا على الشركات نتيجة ارتفاع تكلفة المواد الخام ومدخلات الإنتاج، إلى جانب تأثير تقلبات أسعار الصرف على تكلفة الاستيراد.
ويسهم تحسن مستويات توافر المستحضرات الدوائية في دعم انتظام عمليات التوزيع، وتمكين الشركات من تلبية جانب أكبر من احتياجات السوق، بما ينعكس على استقرار النشاط التجاري عبر الصيدليات وقنوات القطاع الخاص.
وفي المقابل، لا تزال صناعة الدواء تواجه تحديات تتعلق بتكلفة التصنيع، والحاجة إلى توفير النقد الأجنبي لاستيراد المواد الخام والمكونات الإنتاجية، بالإضافة إلى متطلبات تحديث خطوط الإنتاج وتطوير التكنولوجيا الصناعية.
ومن ثم، فإن استدامة النمو خلال الفترة المقبلة ستظل مرتبطة بقدرة الشركات على تحقيق التوازن بين توافر المستحضرات، وكفاءة التشغيل، وإدارة التكاليف، والاستثمار في التوسع الإنتاجي.
183 مصنعًا و1004 خطوط إنتاج.. قاعدة صناعية تدعم النمو
وعلى مستوى البنية الصناعية، تمتلك مصر قاعدة واسعة لتصنيع المستحضرات الدوائية تضم نحو 183 مصنعًا و1004 خطوط إنتاج مرخصة، وفق البيانات التي أعلنها الدكتور علي الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية، في حوار سابق مع «سوق الدواء».
وتمثل هذه القاعدة الصناعية إحدى الركائز الأساسية لقدرة السوق المصرية على تلبية الطلب المحلي، كما توفر فرصًا للتوسع في الإنتاج، وإضافة مستحضرات جديدة، وزيادة الاستفادة من الطاقات التصنيعية المتاحة.
ولا تقتصر الأهمية الاقتصادية لهذه المصانع على توفير الأدوية، بل تمتد إلى خلق فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وتنشيط الصناعات المغذية، ودعم الأنشطة المرتبطة بالتعبئة والتغليف والخدمات اللوجستية والتوزيع.
كما تتيح البنية الصناعية القائمة فرصة لتعميق التصنيع المحلي، خاصة في مجالات المستحضرات الحيوية والأدوية المتخصصة والمواد الخام الدوائية، وهي المجالات التي يمكن أن تسهم في زيادة القيمة المضافة وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
الصناعة المحلية تغطي 91% من العبوات المتداولة
وتغطي الصناعة الدوائية المحلية نحو 91% من احتياجات السوق المصرية من حيث عدد العبوات الدوائية المتداولة، وفق تصريحات هيئة الدواء المصرية، وهو ما يعكس اتساع مساهمة التصنيع الوطني في توفير المستحضرات داخل السوق.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، تبلغ مساهمة الإنتاج المحلي نحو 76% من القيمة السوقية، مقابل 91% من حجم الوحدات المتداولة، ما يشير إلى ارتفاع الوزن النسبي للمستحضرات المستوردة من حيث القيمة مقارنة بحصتها من عدد العبوات.
وتبرز هذه الفجوة أهمية التوسع في توطين المستحضرات مرتفعة التكلفة، خاصة الأدوية الحيوية والعلاجات الحديثة والمستحضرات المتخصصة، بما يعزز قدرة الصناعة المصرية على زيادة مساهمتها في القيمة السوقية، وليس فقط في حجم الوحدات المنتجة.
كما أن الانتقال من تصنيع المستحضرات النهائية إلى توطين مراحل أكثر تقدمًا في سلسلة القيمة، بما في ذلك تصنيع المواد الفعالة، يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز الأمن الدوائي وزيادة المكون المحلي في الصناعة.
1724 شركة تصنيع لدى الغير تعزز تنوع السوق
ويضم سوق الدواء المصري نحو 1724 شركة تعمل بنظام التصنيع لدى الغير «Toll Manufacturing»، وفق البيانات التي سبق أن أعلنها رئيس هيئة الدواء المصرية لـ«سوق الدواء».
ويمثل هذا النموذج أحد المكونات المهمة للهيكل الصناعي للسوق، إذ يتيح للشركات التي لا تمتلك مصانع خاصة إنتاج مستحضراتها الدوائية من خلال التعاقد مع منشآت صناعية مرخصة.
ويساعد التصنيع لدى الغير على توسيع قاعدة الشركات العاملة بالقطاع، وتعزيز الاستفادة من الطاقات الإنتاجية المتاحة، فضلًا عن تنويع المحافظ الدوائية وزيادة المنافسة بين الشركات.
كما يوفر فرصًا أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة للدخول إلى السوق دون الحاجة إلى تحمل التكلفة الاستثمارية الكاملة لإنشاء مصانع مستقلة، مع احتفاظها بالالتزامات التنظيمية المتعلقة بجودة المستحضرات وسلامتها.
غير أن تعظيم المردود الاقتصادي لهذا النموذج يتطلب استمرار تطوير القدرات التصنيعية، وضمان الالتزام بمعايير الجودة، ورفع كفاءة إدارة الطاقة الإنتاجية داخل المصانع المتعاقد معها.
21 شركة عالمية.. السوق المصرية تحافظ على جاذبيتها الاستثمارية
وعلى صعيد الاستثمارات الأجنبية، يضم القطاع الدوائي المصري نحو 21 شركة دوائية عالمية تعمل من خلال مصانع محلية أو مكاتب علمية، وفق البيانات الواردة في التقرير.
ويعكس وجود هذه الشركات أهمية السوق المصرية ضمن استراتيجيات الشركات الدولية، سواء من حيث حجم الطلب المحلي أو فرص التصنيع والتسويق والتوسع الإقليمي.
وتؤدي الشركات العالمية دورًا مهمًا في إتاحة المستحضرات الدوائية الحديثة، ونقل بعض الخبرات التصنيعية والتكنولوجية، إلى جانب مساهمتها في تطوير الكفاءات البشرية وتعزيز معايير الجودة والامتثال التنظيمي.
وفي الوقت نفسه، يمثل التوسع في الشراكات الصناعية بين الشركات المحلية والعالمية فرصة لتعزيز نقل التكنولوجيا، وزيادة التصنيع التعاقدي، وتوطين فئات علاجية جديدة، خاصة المستحضرات ذات القيمة المرتفعة.
وتبقى قدرة السوق على جذب استثمارات إضافية مرتبطة بوضوح البيئة التنظيمية، واستقرار سلاسل الإمداد، وتوافر مدخلات الإنتاج، إلى جانب الفرص المتاحة للتصدير والنفاذ إلى الأسواق الخارجية.
من نمو المبيعات إلى تعميق التصنيع وزيادة القيمة المضافة
وتشير القراءة التحليلية لمؤشرات سوق الدواء المصري خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026 إلى أن القطاع يمتلك مقومات تدعم استمرار نموه، في مقدمتها الطلب المحلي الواسع، وتعدد الشركات العاملة، ووجود قاعدة تصنيعية قادرة على إنتاج مجموعة متنوعة من المستحضرات الدوائية.
لكن الأهمية الاقتصادية لهذه المؤشرات لا تقتصر على ارتفاع قيمة المبيعات؛ إذ يتمثل التحدي الرئيسي في تحويل النمو السوقي إلى توسع صناعي مستدام، من خلال زيادة الاستثمارات الإنتاجية، وتعميق المكون المحلي، وتوطين المستحضرات الأكثر تعقيدًا، وتطوير القدرات التصديرية.
كما أن زيادة مساهمة الصناعة المحلية في القيمة السوقية تمثل مسارًا مهمًا لتعظيم العائد الاقتصادي للقطاع، خاصة مع استمرار وجود فجوة بين حصة المنتجات المحلية من الوحدات المتداولة وحصتها من قيمة المبيعات.
وفي ضوء هذه المعطيات، تدخل صناعة الدواء المصرية المرحلة الأخيرة من عام 2026 وهي تستند إلى سوق محلية تتجاوز مبيعاتها 244 مليار جنيه خلال تسعة أشهر، وقاعدة صناعية واسعة، وفرص استثمارية في مجالات التصنيع المتقدم.
وتظل قدرة القطاع على الحفاظ على نموه وتحويله إلى قيمة صناعية مضافة، وزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي في الفئات العلاجية مرتفعة التكلفة، المعيار الأهم لقياس تطوره خلال السنوات المقبلة.
