سوق الدواء
كل ما تريد معرفته عن سوق الدواء

د. أسامة حمدي يكتب.. دجال جديد يحقن خلايا «جذعية» في البنكرياس!!!

يبدو أن تربة الدجل والاحتيال الطبي أصبحت خصبة في مصر، فما أن تتخلص من محتال نبت كعشب شيطاني في أرضها حتى يظهر فورًا غيره في صورة جديدة ومبتكرة، ولكن يبدو في هذه المرة أن هذا الدجال يصدق فعلًا نفسه! فهو يدعي أنه يحقن خلايا جذعية داخل البنكرياس لمرضى النوع الأول من السكر، ليختفي بعدها الاحتياج الى الانسولين!

والمحتال ككل مرة سابقة يستغل جهل العامة المطبق، وتفشي الاستعداد الفطري لتصديق الخرافة، وتعلق المرضى بقشة الشفاء والتخلص من المعاناة التي يجلبها المرض، ليبيع لهم الوهم مغلفًا بهالة من الثقة المفرطة والدعاية المفبركة، ولكن السذج الذين يقعون في شباكه ربما لا يدرون أنهم يعرضون حياة فلذات أكبادهم لخطورة كبيرة لا محالة؛ قد تؤدي فورًا بحياتهم أو تعجل بوفاتهم. وهنا أحب أن أوضح -كمتخصص في علوم السكر والغدد الصماء لأكثر من أربعين عامًا- خمس حقائق:

١- لا يمكن حقن أى شيء في البنكرياس نفسه ولا حتى لمسه، فالبنكرياس غده دقيقة ورخوة خارج الغشاء البريتوني للأمعاء وحساسة جدًا، وكما تفرز الانسولين، فهى تفرز أيضًا عصارات الهضم القوية، ومجرد جرحه قد يؤدي الى التهاب حاد فيه، وربما يتطور سريعًا الى خراج في البنكرياس ونزيف، وربما تسمم صديدي ووفاة.

٢- الخلايا الجذعية التي تستخدم في تجارب علاج السكر عادة ما تكون خلايا جذعية مأخوذة من الأجنة embryonic، أو من خلايا مُخلّقة خارج الجسم pluripotent، وتمر في عمليات بيولوجية معقدة جدًا ومكلفة للغاية، أما الخلايا الجذعية المفصولة والمفلترة من الدم -كما الحال هنا- فهى تتحول فقط لمكونات الدم ولا يمكن أن تتحول أبدًا الى خلايا بنكرياس تفرز الأنسولين، أو الى أى خلايا أخرى، ولكن هذا ما اعتاد الدجالون سواء في الصين أو الهند أو المانيا -والآن في مصر- بيعه للعامة قليلي المعرفة، ووهمهم بالشفاء لمجرد أن اسمها خلايا جذعية.

٣- حتى الخلايا الجذعية المخلقة كخلايا بنكرياس -وهى تحت التجارب الآن- تحتاج مع استخدامها الى أدوية مثبطة للمناعة كي تعيش داخل الجسم، وحتى لا يلفظها أو يهاجمها بالجهاز المناعي للجسم ويدمرها، كما فعل من قبل مع الخلايا الأصلية للبنكرياس قبل المرض، ويتم حقن هذه الخلايا المُخلّقة في الوريد البابي للكبد، وبالطبع تقلل هذه الأدوية من مناعة الجسم للعدوى البكتيرية أو الفيروسية أو الفطرية.

٤- لا يمكن القيام باجراء تجارب على البشر وخاصة الأطفال لأى علاج جديد أو مبتكر الا بعد مروره على مرحلة التجارب قبل الاكلينيكية preclinical على حيوانات التجارب، ثم التجربة على البشر في ثلاث مراحل معروفة، يتم قبلها أخذ الموافقات العلمية لإجراء التجارب من أجل سلامة المتطوعين، ثم موافقة المريض المكتوبة أو أهله (في حالة الأطفال)، مع إعلامهم بجميع أخطار التجارب ومضاعفاتها المحتملة، ثم عرض النتائج بعد نجاحها على الجهات العلمية المنوطة بالموافقة على تعميم استخدام العلاج أو التقنية الجديدة على المرضى، كهيئة الغذاء والدواء الأمريكية أو الأوربية أو المصرية، وهى الجهات الوحيدة التي تحدد من يصلح لهذا الدواء أو التقنية الجديدة، مع ذكر المضاعفات الجانبية والأخطار بوضوح في منشور مرفق بالعلاج. أما الدجالون فلا وقت عندهم ليضيعونه، فيختصرون كالعادة كل هذه الخطوات العلمية الهامة، ويقفزون للتجربة على المرضى مباشرة في عياداتهم، والترويج لبضاعتهم الفاسدة بحملات دعائية مكثفة على السوشيال ميديا؛ يُظهرون معهم فيها -كهذا الدجال- بعض المرضى وهم يدعون شفائهم التام لغواية غيرهم ممن يصدقون الخرافة.

٥- وقف العلاج بالأنسولين لمرضى النوع الأول من السكر قد يؤدى -لا محالة- الى تسمم كيتوني، قد يعرض المريض للوفاة. ولا يجب علينا -كالعادة- أن ننتظر حتى تحدث الكارثة لنتحرك، بل يحب وقف هذا العبث في مهده. وللمرة الألف يقوم أحد الأطباء بالعمل في غير تخصصه، فلا يمكن لجراح عام أن يكون متخصصًا في الغدد الصماء والسكر، كما أن العكس خطأ أيضًا، فقانون المسئولية الطبية الجديد يغلق كل هذه الثغرات ويعاقب المخالف بحزم.

أدعو فورًا نقابة الأطباء للتحقيق العاجل مع هذا المدعي كما فعلت من قبل مع غيره قبل أن يؤدي بحياة المرضى متربحًا من مرضهم، ولاعبًا بأحلامهم. كما ادعو وزارة الصحة لغلق عيادته أو مستشفاه كما فعلت مع غيره من الدجالين، حتى يكون عبرة لكل المحتالين من أمثاله. والحقيقة لا أعرف الى متى ستظل مصر تعاني من هؤلاء الدجالين والمحتالين بإسم الطب.

د. أسامة حمدي.. أستاذ السكر بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية

اترك تعليق